الكوكرا يا شلام… دي شوكلاتة السمك

إحدى ليالي صيف الأسكندرية الجميل في الثالثة و النصف صباحاً ، أجلس أنا الصبي ذو الأثنا عشرعاماً بجانب نافذة صالون بيت أبي رحمه الله على الشارع الرئيسي مرهفا السمع و منتظرا خالي الحبيب على أحر من الجمر لنبدأ معاً مغامرة جديدة من مغامراتنا التي لا تُنسى – بيب بيب بيب بيب كركر كركر كركر…صوت كلاكس و كركرة اعرفهما جيداً و أحبهما بل و أعشقهما ، صوت كلاكس و كركرة سيارة خالي الحبيب ، سيارته الفيات 125 البولندي البيضاء االتي كان يصفها لي بالعامية المصرية ” ما يغركش شكلها كده يا حمادة ، دي عربيةعضمها ناشف!!”. أسمع الكلاكس قبل أن تقترب السيارة من بيتنا بمئات الأمتار.
انا كعادتي أيام الصيد خاصة مع خالي، لا أنام الليلة التي قبلها تشوقا للصيد وحبا في صحبتي مع أعز الناس (خالي صلاح) ، و بالطبع أكون جاهزا بعدتي (عدة الصيد) وفي حالة انتظار و لهفة وشوق لفجر يوم الصيد – صوت الكركرة يعلو ويصل خالي أمام بيتي وأنزل أنا جريا متلهفًا لتبدأ رحلتنا معاً ، هذه الرحلة التي تكررت طوال مرحلة صباي وشبابي وصقلت خبرتي في الحياة إبتداءا من سن إثنا عشر سنة إلى سن الشباب، أركب السيارة ثم مباشرة أفتح النافذة لأشم رائحة أجمل هواء، فقد كنت أنا وخالي نسكن في منطقة مصطفى كامل الجميلة في الأسكندرية وقد كانت وقتها في أوائل الثمانينيات مليئة بالفيلات الأنيقة الراقية و كانت شوارعها هادئة ساكنة مظللة بالأشجار الحانية الرائعة و خلفيتها الصوتية كانت أصوات الطيور و العصافير وكانت وكأنها مركزا لجودة الهواء، و هواء مصطفى كامل في هذا الوقت من اليوم يكون ممزوجاً برائحة النجيل و الورد الذي يطلقه ندى الرابعة صباحاً .
كنت أحس مع خالي بالحب والأمان والطمأنينة والسرور فقد كان شخصية قوية مرحة محبة للحياة ودودا متساهلاً كريما معطاء حنوناً و كما يقولون بالأنجليزية “كاريزماتيك”، يذهل و يجذب من حوله بحواره و مداخلاته ومشاكساته وله قدرة عجيبة على إضحاك أي أحد في أي وقت دون أي جهد يذكر منه على الإطلاق – كان طويلا ضخما بقلب عصفور رقيق وكان كف يده كبيرا جدا، حين أسلم عليه كنت أحس أنني غصت في بحر عميق من الأمان و الطمأنينة بالرغم أنني لست قليل الحجم ولا قصير البنية.
تبدأ الرحلة ويضغط خالي على زر تشغيل الكاسيت ليسمع الشريط المكرر إياه الذي يعشقه والذي أعشقه أنا أيضا والذي على ما أظن ظل في سيارته أكثر من عشرة أعوام ، أغنيته المفضلة  يا نور عينيا وأكتر شوية للمطربة الجميلة شادية وخاصة الكوبليه الأخير الذي يقول” يا فرح بابا (تان تان) يا عز ماما (تان تان) ياااالللي ابتسامتك (تارارارا) أحلى إبتسامة ، أنت المحبة أنت السلامة  ، يجعل حياتك أعياد هنية يا نوووور عينيا  – .يا  نور عيني وأكتر و أكتر شوية يا اعز عندي عندي عندي من الدنيا ديا  – يا نور عينيا. لا لا لا لا  لالالالا لللا للللا لللا لل لالان – طبعا الأغنية بتشتغل وأنا و خالي ضابطين الإيقاع الرائع ب تان تان و تارارارا و لالالالالا و أنا في سعادة لا توصف فأنا ذاهب في رحلة صيد ومع من – مع خالي صلاح ، فلقد كان عشقي الأكبر هو الصيد و سعادتي القصوى هي في وجودي معه في أي مكان.
تتهادى بنا ال 125 كالدبابة على البحر من رشدي إلى قهوة فاروق في بحري ونصل أمام القهوة و الفجر يؤذن الله أكبر و يشتري خالي 4 بُطُنْ….هههه…. و البُطُن هو أسم أطلقه خالي على  سندوتش فول أقل ما يقال عليه هو” سندوتش لعبة المووووت”  فهو مكون من عيش أسمر سخن متروس فول مولع و بصل حامي و طماطم و خيار و شطة و بقدونس و معاهم كوباية شاي بلبن على القهوة (هكذا يصفها الأسكندرانية) و أسمع ضحكة خالي الجميلة قبل أن نبدأ الأكل يقول ضاحكاً بالعامية المصرية ” حمادة لو عندك حاجة قولها دلوقتي لأن مفعول البُطُن حيبدأ بعد خمس دقائق من الأكل وسيستمر 8 ساعات على الأقل أي سينتهي الساعة  12 يعني البُطن حيكتمنا حتى 12 الظهر فلو عندك كلام قوله و أنا طبعا لا كلام عندي فمفعول البطن يبدأ معي مباشرة من الرائحة!!! و عندما نبدأ فعلا في الكلام مرة أخرى أو على الأقل في محاولة الكلام ، أنظر لساعتي فإذا بها حوالي الثانية عشرة ظهراً فيقول لي خالي مداعبا” حمادة هات البطن التاني بأه علشان نسكت لحد ما نروح”. ينتهي البُطُن فنصلي الفجر في مسجد أبو العباس و ننطلق سريعاً ،علشان نبقى على وش الماية قبل الشمس ما تطلع كما يقول الصيادون!!
الصيد ملئ بالمصطلحات التي يعرفها الصيادون ويتفننون في تأليفها ليتفاخروا بمعرفتها و ليبرروا بها مواقف صيد كثيرة لا تنتهي كقلة صيد أو بحر هائج أو سمكة فُقدت أو غيره من الفشل أو النجاح وخالي كان يعشق هذه المسميات المشفرة  مثل الماية مصفصفة – الماية مكبرتة – البحر مشخشخ  البحر مولع – إيها – أجانتا- البحر بخية و كنت أحفظها أنا أيضاً و أنا صغير لأبين لأصحابي أنني صياد قديم وعقر و لأجد لنفسي مكاناً بين هؤلاء الصيادين الفطاحل الذين نجلس جانبهم عندما نصطاد و كنت أحاول أستعمال هذه المصطلحات باي طريقة ، فمثلا عندما أجد أحد الصيادين المعلمين يصطاد في ركن بعيد وحيداً ، أمر عليه عمدا و أقول “سلام عليكوا الماية النهاردة مكبرتة مش كده؟”… فيفهم الرجل إني مش فاهم أي حاجة فيبتسم من تحت الطاقية التي تحميه من الشمس و يضحك خالي و اضحك أنا من القلب.
خالي كان يحبني حبا جميلا نقيا فقد كنت ألمح نظرات الحب الأبوي الصافي في عينيه و أحسها في نبرات صوته، لقد كان يعتبرني ابنه الحبيب و أنا أيضاً كنت أحبه جدا و كنت أعتبره مثل والدي تماماً و لكنه كان صديقي الكبير الجميل. أحد الأيام كنا نصطاد و لا سمك على الإطلاق وأحد الصيادين بجانبنا يصطاد كل دقيقة سمكة أو كما يقول الصيادون كل رمية بسمكة و نحن ، لا شيئ علي الإطلاق  – فقال لي خالي”أساله يا حمادة بيرمي بإيه ده أي بيصطاد بإيه” ، فسألته: “عمو عمو حضرتك بترمي بإيه” قال لي: ” بالكوكرا” ، قلت له : “إيه!!؟؟” قال لي بصوت خشن: ” الكووووووكرا ما تعرفش الكوووكرا” ، قلت له “لا والله” ، قال لي بصوت يفتعل فيه الخشونة الزائدة عن الحد “الكوكرا – يا شلام (أصلا يقصد يا سلام و لكن السين قالبة على شين معاه لزوم المعلمة)- دي شوكلاتة السمك” فضحك خالي و ضحكت ضحكا هستيريا فقد وقعنا على مصطلح جديد رائع “الكوكرا يا شلام دي شوكلاتة السمك يا فندي” و الكوكرا هو ما يُسمى بصرصور البحر يعشقه السمك فعلا كما عرفنا بعد ذلك. ما يقرُب من ثلاثين عاما بعدها كل مرة أرى فيها خالي أو أكلمه تليفونيا ، يقول لي فاكر يا حمادة ” الكووووكرة!! ما تعرفش الكوكرة؟!!” وأنا أرد بصوت غليظ أجش ” يا شلام ..الكوكرة دي شوكلاتة السمك يا فندي”
خالي صلاح كان إنسانا رقيقاً راقياً ناجحاً رائعاً محباً حنوناً خدوماً مرهف المشاعر ، هو من هذا النوع من الناس الذي تَصْعُب الحياة بدونه و لا يصبح لها طعم.
علمني خالي حب الحياة و العطف على الغلبان و الإكثار من الصدقة و الكرم في البقشيش والرجولة الحقة  وعدم الوقوف على التوافه و تحمل المسئولية وعلمني أن الرزق مقسوم لا محالة – علمني أن أحب الهواء النقي والمنظر الجميل و أن أقدر الجمال الإلهي  أن أرضى بما قسمه الله.
خالي هو الوحيد الذي كان يقف معي عندما تشتد الأزمات، فقد كانت لي قصة كفاح لزواجي من حبيبة عمري و صديقتي و زوجتي ساعدني فيها خالي معنويا و نفسيا و حين تأزمت الأمور وقتها ، قال لي “لا تقلق ستتزوج من تحب بإذن الله وبكرة تقول خالي صلاح قال!!” و مرت الأيام و شاء الله بعد تخطي العديد من الصعاب أن نتزوج بعدها في الولايات المتحدة و أرسلت شريط فيديو و أنا أستقبل زوجتي الحبيبة في مطار جون كنيدي بنيويورك و كان تكليلا لقصة كفاح  حب شريف جميل و \عرفت بعد ثمانية عشر  عاما من ابنة خالي و بعد وفاته أن خالي عندما رأى هذا الشريط أجهش بالبكاء فرحا  تأثرا أن قد جمعنا الله كما تمنى و كان يقول و هو يبكي “أنا فرحان أوي لحمادة أنا فرحان أوي لحمادة – حماده كده فرحان و طالما حمادة فرحان فأنا فرحان”.
مرض خالي الجميل فجأة منذ سنة ، مرض في أسبوع واحد فقط و كنت أنا في الأمارات و لم تُتَح لي الفرصة أن أراه و قد كنت زرته في بيته في أجازتي السنة التي قبلها و ضحكنا أنا و أولادي و زوجتي معه و مع زوجته الحبيبة كما لم نضحك من قبل، حتى أن أبني سألني: “بابا هو خالي صلاح إزاي بيضَحَّك كده؟ إزاي؟ – بابا أنا ما كنتش قادر أمسك نفسي من الضحك”؟؟ 
توفاه الله سريعاً إلى رحمته بإذنه و بكرمه و جوده و كان يقول قبل يوم واحد من وفاته و هو في المستشفى و على سرير الموت كما قيل لي “حمادة طيب حماده إنسان حمادة جميل أنا بأحب حمادة ” ونسي خالي الطيب الإنسان الجميل أنه هو من علمني أن أكون طيبا وإنساناً وجميلاً بل هو من علمني الحب.
وحشتني يا أطيب و أجمل الناس.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s