حلال فوود

في زيارة سريعة لمدينة نيودلهي عاصمة الهند و واحدة من أزحم مدن العالم يكون أصعب شيء تحصل عليه كشخص مسلم و سكري من النوع الأول في نفس الوقت – و بعد يوم عمل شاق – هو عشاء حلال بدون خبز أو أرز للمحافظة على سكر الدم مضبوطًا. كان يومًا طويلا حافلًا بالعمل أكتفيت فيه في الصباح فقط بإفطار سريع جدًا (دون غذاء). رجعت للفندق السابعة مساءً و أخذت حماما سريعًا و نزلت أتجول حوالي الثامنة مساءً حول الفندق و لحسن حظي وجدت سوقًا وراء الفندق به كل شيء و مزدحمًا بالناس فتجولت فيه قليلا و أنا أنظر يمينا و يسارا أبحث عن طعام حلال و لم تقدني عيناي إلى مطعم أستطيع أن أتناول فيه عشائي، بل في الحقيقة قادني أنفي، إذ كانت هناك رائحة شواء طاغية تتسلل إليها ببطء تارة و بعنف تارة – تلك الرائحة قادتني كدليل من زقاق إلى زقاق و حارة إلى حارة  إلى مطعم صغير مزدحم تمامًا بالناس و نظرت إلى أعلى لأقرأ أسم المحل فإذا بي أجد بجانب الأسم أجمل ما رأيت ذلك اليوم بل في هذه الرحلة – طعام حلال Halal Food و كم كنت جائعا وقتها فطلبت مباشرة قطعًا من لحم الضأن و الدجاج و بعض السلطة بعد أن طلبتهم من غير شطة و هذا الطعام الغير حار هناك عملة نادرة أو قل أنه غير موجود في الواقع، فقط هم يغسلون الدجاج و اللحم من التتبيلة الحارة القاتلة و مع ذلك تدمع عيناك و تدعو الله و أنت تأكل أن ينتهي الأكل سريعًا بالرغم من جوعك الشديد. جلست على سور مقابل كبقية الناس الذين لا يجدون مكانًا بالداخل و جاء الطعام و بدأت آكل كالمجنون من فرط جوعي و أحسست بشيء غير عادي و كأن أحدا يراقبني و ينظر إلى و تلفت حولي و لكنني وجدت كل شيء عادي و ليس هناك ما يلفت النظر إلى أن لمس قدمي شيء مر تحت قدمي سريعًا و هو ينظر إلى فإذا بي أجد كلبا رقيقًا يبدو من نظرة عينيه أنه لم يأكل منذ عشرة أيام. كل من حولي يأكلون و لكنه أختارني أنا فقط و كأنه يعرف أنني غريب أو كأنه يقول لي أنه حَاول معهم كثيرا و لكنهم للأسف لا يطعمونه مهما فعل فهم أيضا جائعون و طعامهم بالكاد يكفيهم لأن معظمهم لا يملك مالا أو إن شئت قل، لا يملك ترف إطعام كلب. أطعمته معي و أَكَل و أكلتُ و كان كلما أكل قطعة نظر إلى نظرة غريبة لن أنساها و كأنه يقول أشكرك فقد أوشكت على الموت جوعًا و أنت أنقذت حياتي أو كأنه يقول لقد أصبحنا أصدقاء – أنتهينا من الطعام و قمت و دفعت ثمن ما أكلت و رجعت إلى الفندق و في الطريق و لدهشتي الشديدة روكو (هكذا سميته)  كان يمشي بجانبي و لم يتركني إلى أن وصلت للفندق و ودعته و ودعني بنظرة حب و وفاء و امتنان جعلتني أنام الليل بهدوء و سعادة. حدث نفس الشيء اليوم الثاني و كان في إنتظاري و أكلنا معًا ثم نفس الشيء اليوم الثالث نأكل معًا ثم يوصلني للفندق و يودعني بنظرة الأمتنان و الحب. ثم في فجر اليوم الرابع رجعت إلى بلدي و حكيت لأولادي حكاية روكو ثم أنستني الأيام كل الحكاية  كما تنسينا أحبائنا بعد الموت. ستة أشهر و شاء القدر أن أذهب إلى نيودلهي مرة أخرى و أقيم بنفس الفندق و يحدث نفس سيناريو الجوع مع الفرق أني أعرف هذه المرة أين سآكل و نزلت في الليلة الأولى – بعد يوم عمل طويل – قاصدًا المطعم إياه و قبل أن أدخل السوق إذا بي أفاجأ بسهم ينطلق نحوي من بعيد – كلب يجري بسرعة الرصاصة. من هذا..  يا إلهي إنه روكو .. لم اصدق نفسي ساعتها!! هو فعلا روكو، لقد عرفني بعد ستة أشهر و قصدني وسط ألوف من الناس في نفس الشارع، عرفني بعد مرور ستة أشهر، فقط لأني أطعمته قطعتين من اللحم و بعض العظام – ما هذا الحب الغير مشروط و الوفاء اللا نهائي و الحنان الدافق و النظرات المعبرة. ذهبنا معا لنأكل و وضعت له الطعام فإذا به لا يريد أن يأكل مع إنه يبدو هزيلًا جدًا فظننت انه أكل منذ قليل و سألت البائع في المطعم، فقال “لا إنه لم يأكل كالعادة منذ فترة”. فقط جلس تحت قدمي و هو ينظر أعلى إلى وجهي و يبدو مسرورًا يهز ذيله بحب – يا إلهي ما هذا الوفاء لقد أنساه الحب الجوع و ألم الجوع، أنتهيت و أوصلني كالعادة للفندق و بقيت معه نصف ساعة أمام الفندق و لم أرمِ طعامه و ألححت عليه أن يأكل إلى أن وافق أن يأكل بعد أن أطمأن لوجودي معه ثم ودعت روكو و ودعني لدرجة أنه كان ينبح كالمجنون عندما حال بيني و بينه الباب الزجاجي لمدخل الفندق و كاد هذا المشهد أن يبكيني أو أبكاني بالفعل و لم أنم ليلتها أفكر في روكو صديقي العزيز. و كانت رحلة العودة فجرًا في اليوم الثاني و كنت حزينًا جدًا أنني لن أراه مرة أخرى – جلست في الطائرة أفكر فيه حالمًا و متأملًا و أبتسم عندما أتذكره ينظر إلى كالمُحب الوفي الولهان و إذا بجارتي في الكرسي أمراة عجوز هادئة الملامح، اتخذت مكانها باكية حزينة و تعرفت عليها و إذا بها أم لأبن يعمل في شركة عالمية في نيودلهي يعيش مع زوجته و هي جاءت من أسبوعين فقط لتعيش معه بناءً على طلبه لأنها تعيش وحدها في بلدها و انتهى بها الحال بعد أسبوعين فقط شبه مطرودة من بيت ابنها لأن زوجته لا تطيقها. لا حول و لا قوة إلا بالله – ابن يفعل هذا بأمه التي فعلت له ما فعلت طوال عمرها و كلنا نعرف ماذا تفعل الأم لأبنها في صغره و كبره و كلب جائع يتذكر من أطعمه بعد ستة أشهر بل و ينسيه الفرح – لرؤية صديقه – حتى أن يأكل. يا للوفاء المفقود عند الكثير من البشر.

فكرتان اثنتان على ”حلال فوود

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s