خليها على الله

كالعادة لم يقف الأتوبيس في المحطة بل هدأ فقط من سرعته وأضطر مصطفى (ككل يوم) أن يقفزمن الأتوبيس كالبهلوان ليبدأ مشوار الكيلومتر اليومي حيث تبعد محطة الأتوبيس عن بيته كيلومتراً واحداً يمشيه  بهدوء متجها لمنزله بعد إنتهاء يوم عمل ممل مكرر يسلم على الحلاق تارة وعلى البقال تارة أخرى طوال الطريق للبيت..يُسَلِّم  على من يراه ولكن ذهنه مشغول بمشاغل الدنيا التي لا حد ولا سقف لها ومطالب البيت والأولاد – بنت وولد في سن الشباب و طلباتهم لا تنتهي والأمل يملأهم وحياتهم الوردية مازالت ملء أعينهم و كان قد سمع طراطيش كلام أمس بين زوجته و ابنته فهم منه أن هناك عريسا قد يتقدم لأبنته هند التي على وشك الأنتهاء من دراستها بكلية الآداب – يا الله ماذا سيفعل!! راتبه بالكاد يكفي لآخر الشهر فكيف سيزوجها وكيف سيكون أباً يُعتمد عليه في نظر ابنته!!
الله أكبر الله أكبر، آذان المغرب يؤذن قبل أن يصل إلى بيته فيدخل مصطفى المسجد ليصلي المغرب جماعة  وليجد ملاذا ولو لقليل من الوقت من الهم المتراكم في قلبه. صلى ركعتين و جلس ينتظر الإقامة مسنداً ظهره إلى أحد أعمدة المسجد يفكر في تامر وهند أولاده و كيف أن طلباتهم تزداد وهو موظف علي أد الحال ذو راتب محدود منذ أن بدأ يعمل منذ سنين طوال – مهما زاد الراتب فهو محدود، ماذا سيفعل لو فعلا تقدم لها أحد وهو لا يملك من الدنيا إلا ما يعيش به شهره فقط وقد أثقل تامر ظهره بالدروس الخصوصية فهو في الثانوية العامة وما أدراك ما الثانوية العامة ثم ماذا سيفعل هو في مرضه العضال – السكري – الذي تضطره حالته المادية إلى أخذ علاج كما يقولون بالعامية أي كلام وهو الأنسولين المخلوط الذي في الحقيقة لا يضبط سكرا ولا ملحا لأن الأختيار الآخر الأفضل يتطلب نوعان من الأنسولين لا يقدر هو على ثمنهما. هو يعلم أنه لم يبق له الكثير فكل مضاعفات السكري قد أتته على عجل، فقد بدأ يحس بخدر في قدميه دليل على تلف أعصاب القدم الطرفية، ضعف في بصره ، تحاليل وظائف الكلية ليست على ما يرام و  و…..

صوت الإقامة يفيقه فيستقيم في الصف و يقرأ الشيخ الجديد الشاب الأزهري ذو الصوت الرائع الذي أنضم للمسجد من شهر واحد فقط يقرأ قوله تعالى:”اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ” صدق الله العظيم

يسرح مصطفى مع الآيات لعب ولهو وزينة وتفاخر وتكاثر – هكذا كل ما نجري وراءه ونشقى لجمعه و صرفه و الأولاد و الأموال والنساء والبيوت والسيارات ، كل هذا لعب و لهو و زينة، أهكذا الدنيا هينة عند الله وكبيرة في أعيننا. أخذ قرارا داخليا بأن يرمي حموله على الله الكريم و سأل الله في صلاته أن يمد في عمره ليفرح بأولاده ويعيش معهم سعادتهم وأن يرزقه حتى لا يحرمهم وأن يرزق ابنته بزوج صالح و أن يدخل خالد كلية الطب ليعالجه من السكري و أن يخفف عنه عبء الحياة و يرضى عنه و عن أهله و أن يساعده في ضبط سكره.

السلام عليكم و رحمة الله يمينا – السلام عليكم ورحمة الله يساراً، أنهى الحاج مصطفى صلاته و أحس براحة غريبة و سكينة تملأ نفسه ورضا داخلي يغمره وفي الحقيقة لا شيئ في هذه الدنيا يعْدُل هذه الثلاثة لو أجتمعت الراحة النفسية و السكينة و الرضا الداخلي وكيف لا يشعر بهذا، بعد أن عرف أن كل همومه هي لعب ولهو وزينة وأن الله الكريم هو المتكفل به وبكل خلقه و إذا بصوت بجانبه يقول له “تقبل الله يا عمي” ، فرد مصطفى “تقبل الله منا و منك يا بني”  فقال الشاب “أنا يا عمي دكتور خالد أسكن بجانبكم و بصراحة أنا في قمة الأحراج منك ولكن دعني أتكلم مباشرة..أنا أريد أن أتقدم لأبنتك الكريمة هند و سأسافر للدكتوراه في كندا قريباً و سانتظرها تنتهي من السنة الرابعة و تسافر إلي هناك و لا أريد منك اي شيئ إلا هند فقط فهي بالنسبة لي تسوى الدنيا كلها ، فأبي موظف مثلك و أعلم حاله و حالك و لن أكلفك شيئاً و أنا أيضا طبيب سكري بارع يا عمي و قد قالت لي هند على حالتك وهي حالة التحكم فيها بسيط بإذن الله و ممكن عكس المضاعفات بالتأكيد لو ضبطت السكر لمعدلاته الطبيعية وبأمر الله بالنوع المناسب من الأنسولين والأكل الصحيح و البعد عن الهموم و الرياضة الخفيفة، ستضبط سكرك و سأدلك كيف تتحكم بأرقامك وسأعلمك كيف تستخدم أنواع الأنسولين المطلوبة وسأحضره إليك غدا إن شاء الله عندما آتي مع أهلي لنقرأ الفاتحة.

كان الحاج مصطفى يستمع و نظره أمامه على موقع سجوده والتفت يمينا لينظر إلى خالد ولكن سبقته دمعتان ساخنتان نزلتا على وجنتيه – ولسان حاله يقول يا الله يا كريم، لم أنته بعد من دعائي إليك فأستجبت قبل حتى أن ألح في الدعاء، أحتضن خالد الحاج مصطفى بحب وقال لا تبك يا عمي ألا تعلم أن الله هو الكريم – أراك غدا إن شاء الله.

فكرتان اثنتان على ”خليها على الله

  1. الله عليك.. انت فى اتجاهك لتصنع نوعا من انواع القصة القصيرة ذات المغزى التعليمى لا اريد القول قصة طبية .. ولكن دعنى اسميها القصة التوجيهية لخدمة اغراضك السامية وفقك الله يااستاذ احمد ونفع الله بك الناس فأنت اهل لذلك

    إعجاب

    1. Afifi

      الله يحفظك ويبارك فيك أستاذنا وكاتبنا المحترم ورأيك وسام على صدري أعتز به – أشكرك

      إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s