روبرت الذي أنقذني

روبرت الذي أنقذني

جاء مقعدي إلي جانبه في الطائرة المتجة بي إلي ألمانيا و بالتحديد مدينة شتوتجارت لحضور أحد السيمنارات المتعلقة بعملي، رجل ألماني – كما عرفت فيما بعد – أشقر في منتصف الأربعينيات نصف أصلع ذو نظارة صغيرة و دائرية تضيف له مسحة من الذكاء الظاهري، نظراته زائغة و غير مستقرة ، متململ في جلسته و كثير الحركة، لم أشغل بالي به كثيرا بل كنت أفكر في نفسي و في حياتي ماذا  سأفعل مع هذا القاتل الصامت الذي أصبت به منذ سنتين، هذا العدو المفترس الذي لا يرحم – السكري – و الذي ذهبت به و معه إلي عشرات الأطباء و أستعملت عشرات الأدوية و لا زلت أستعملها و أغيرها حسب نصائح الأطباء و التي أكتشفت فيما بعد ان معظمها نصائح قديمة و بالية كانت السبب – مع مرور الوقت – في مضاعفات قاتلة لمعظم السكريين و بالرغم من إتباعي التعليمات حرفيا إلا إنني مع الأسف لا أستطيع التحكم بالسكري علي الأطلاق. أستمع بالضبط لما يقولونه و ينصحون به و أنفذه حرفيًا و لكن هيهات هيهات فأرقام سكر الدم دوماً عالية عنيدة و لا تريد النزول و أكتشفت أن هذا الحال ليس حالي فقط  بل حال الكثيرين من السكريين و أستطيع أن أجزم أنه حال الأغلبية العظمي منهم، بحثت في المكتبة العربية عن كتاب لأتعلم ماذا يجب أن أفعل و كيف لي ان أتعايش مع هذا الوحش الذي يأكلني من الداخل و لكني للاسف لم أجد كتابا واحدا محترما يشفي صدري و يدلني علي الطريق الصحيح لضبط السكري. أفقت علي صوت المضيفة تسألني: هاي… هل تريد أن تشرب شيئاً؟  فأجبت بالأنجليزية : “نعم…عصير برتقال بدون سكر من فضلك”  ثم أستطردت متذاكيأً: لأنني سكري، فأنتفض الرجل بجانبي و نظر إلي نظرة مملوءة بالأستهجان و التعجب و سألني: ماذا تقول؟ أأنت مصاب بالسكري و تشرب عصيرا ؟ قلت : نعم أشرب عصيراً طبيعياً بدون سكر. فقال: حتي و إن كان طبيعياً و بدون سكر!!  ألا تعلم أن العصير الواحد به علي الأقل 4 أو 5 برتقالات و أن البرتقالة الواحدة بها حوالي 25 جراما من الكربوهيدرات و أن الكربوهيدرات سكر و ترفع سكرك حوالي 100 مجم/دل  علي جهاز القياس و أنك حينما تعصر كل هذا البرتقال فإنك تنحي كل الألياف التي خلقها الله مع البرتقال جانبًا – بالرغم أنها (تلك الألياف) هي التي تقلل من إرتفاع سكر الدم الناتج عن الجلوكوز و الفركتوز في البرتقالة و تشرب السكر كله و ليس السكر في برتقالة واحدة بل في خمس برتقالات !! يا عزيزي لا تفعل أرجوك فإن هذا سيرفع سكر دمك حتما و أكمل قائلا  بلهجة حماسية: أسمع أنا سأخدمك خدمة العمر التي بها ، لن تنساني ما حييت. قلت في نفسي لماذا هذا الرجل مهتم بي إلي هذا الحد؟؟ و ما هذا الذي يقوله !! كربوهيدرات و سكر و جلوكوز و فركتوزو ألياف ..ما هذا … يبدو أنه مختل نوعا ما ..دعني أري ماذا ستسفر عنه هذه المناقشة!! مد يده إلي حقيبته و أخرج منها كتاباً و قال لي و عينه ترمقني بتحد و لكن بإستجداء و عطف في نفس الوقت و كأنما تقولان لي:  أعمل في نفسك معروفا و أقرا هذا الكتاب قبل أن يقضي عليك السكري. قال لي : خذ هذا الكتاب و من فضلك أقراه حتي تهبط  الطائرة في شتوتجارت ثم سآخذه منك قبل أن نفترق.

ثم أعطاني كتابا حوالي 511 صفحة، فقلت في عقلي: أيظن هذا الرجل أنني أستطيع أن أقرأ كل هذا قبل أن نصل و لكنه و كأنه قرأ عقلي و علم في ماذا أفكر فقال لي سريعاً: صدقني من فضلك.. أقرا هذا الكتاب فسوف يغير حياتك و حياة كثيرين إلي الأفضل – ابدأ فورًا و لا تضيع وقتاً. نظرت إلي الكتاب فإذا به كتاب حل السكري أو علاج السكري لدكتور ريتشارد برنستين. يا تًري من هذا ريتشارد برنستين ؟!!

كانت الرحلة ثمانية ساعات تبقي منها حوالي سبع ساعات فوضعت في أذني السماعات لأستمع لموسيقي عمر خيرت التي أعشقها وفي الحقيقة لم أكن أشعر بأي رغبة في القراءة عن السكري فقد مللت السكري وكل ما يتعلق بالسكري، فقد أصبح عندي يقين مما أسمعه من القائمين على علاج السكري أنه ليس بالإمكان أحسن مما كان، فقلتُ في نفسي دعني أتظاهر بالقراءة حتي ينام هذا الرجل ثم أنام وفعلا فتحتُ الكتاب من المنتصف فإذا عيني تقع مصادفة علي صفحة مضاعفات السكري والقدم السكري فشعرت بالقلق والنفور أكثر و أردت أن أُنحي الكتاب جانباً إذ لم أشعر باي شغف للقراءة علي الإطلاق. بدأت أسمع صوت شخير جاري وقد أخذ وضعا مريحا للنوم مستلقيا بظهره علي الكرسي بإسترخاء  خالعاً حذائه وواضعا قدماً فوق الأخرى، فقلت الحمد لله ، أنتظر خمس دقائق أخري حتي يستغرق في النوم ثم أُنحي الكتاب جانباً وأنام أنا الآخر ، وبينما أستعد لفعل هذا إذ تقع عيناي علي منظر لن أنساه ما حييت. جزء من قدم الرجل العالية الموضوعة فوق الأخري تبدو لي شبه فارغة إذ يبدو لي أن ما تحت الجورب جامدا وليس لحما و دما وكأنه قدم من حديد أو خشب، فركت عيني و نظرت ثم فركتها مرة أخري ولكن …نعم ما تحت الجورب ليس طبيعيًاً ..

قلبي أخذ يدق بسرعة و أرتفع شخير الرجل و قررت أن ألمس الجورب لأتأكد فتظاهرتُ أنني ذاهب إلي دورة المياه  و وقفت ثم تحسست قدمه بخفة بالغة و أنا أمر للخارج و فعلاً كان ما تحت الجورب قدم صناعية صلبة فعلاً .. يا الله إن قدمه فعلاً مبتورة ، إذن أيمكن أن يكون هذا الرجل سكريا قد أصيب بالقدم السكري لضعف تحكمه بالسكري وتم قطع قدمه لأصابتها بغرغرينا و أراد أن ينصحني حتى لا يحدث لي ما حدث معه !! و تسمرتُ في مكاني و بينما أنا هكذا إذ فتح الرجل عينيه و كأنه يعرف ماذا حدث تماما و أبتسم إبتسامة حزينة و قال لي بعين دامعة بائسة: اقرأ و تعلم قبل أن تندم يوم لا ينفع الندم و قبل أن يحدث لك ما حدث لي، بل قبل أن يصبح الرجوع مستحيلاً. رجعتُ إلي مقعدي و عيناي تفيض بالدمع الصامت و الذي كان ينزل من عيناي دون أي تفكير. فتحت الكتاب من أوله وبدأت القراءة و من أول صفحة وتسمرت عيناي علي الصفحات من البداية يمينا و يسارا ألتهمها إلتهاماً … يا الله ما هذا ، ما هذا العلم الواضح السلس الغزير و أين أطباء السكري عندنا منه و لم لا و هو من؟؟ دكتور ريتشارد برنستين… ذو الثمانين عاماً مضرب المثل في حسن إدارة السكري بإمتياز و الذي أصيب هو نفسه بالسكري و هو في سن 12 عاما و كان علي وشك الموت و هو في الأربعين من عمره لإصابته بكل المضاعفات  برغم إتباعه لكل ما يقوله الأطباء وكان مهندساً و عندما عرف سر التحكم بالسكري عن طريق ضبط  الأكل بشكل دقيق جدا و منع الكربوهيدرات سريعة التأثير في سكر الدم من أكله تماما، وبالطبع حاربه التيار الطبي وقتها في السعينيات لأنه يفكر عكس التيار و لأنه ليس طبيباً و ما أجمل التفكير عكس التيار!! فقرر أن يصبح طبيباً و دخل كلية الطب و هو في الخامسة و الأربعين و تخرج طبيبا و هو في سن الخمسين و لا زال  يُعالج نفسه و يعالج السكريين حتي الآن و يحصل علي افضل النتائج معهم علي الأطلاق بل وعَكَسَ هو نفسه مضاعفاته والتي كانت قد وصلت إلي الذروة و أوشك بها على الموت السريع و هو في سن الأربعين !! لم أفق إلا و روبرت، جاري في المقعد يربت علي كتفي و يقول 15 دقيقة علي الهبوط يا صديقي العزيز ، لقد قضيت 7 ساعات تقرأ دون أن تحس فنظرت و إذا بي تقريباً في منتصف الكتاب الذي بالفعل غير حياتي للأفضل و الأجمل و غير طريقة تفكيري في التعامل مع السكري إلي الأبد. عانقت روبرت صديقي الذي أنقذني وأكملت في وداعه بضع دموع ساخنة كانت لم تسقط بعد منذ رؤيتي لقدمه المبتورة، أهدي إلي روبرت الكتاب و كتب في الإهداء كلمات كلما قرأتها اغرورقت عيناي بالدموع الشاكرة الممتنة. –  كتب لي روبرت: من صديق بلا قدم إلي صديق بقدم ..من فضلك حافظ علي قدميك.

صديقي روبرت دلني على الطريق الصحيح و ضرب لي مثلا في حب الناس و مساعدتهم دون مقابل و عاهدتُ الله أن أفعل. شكرا صديقي روبرت – لقد أنقذت حياتي و حياة الكثيرين.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s